القرطبي
265
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
من تشاءم : تطير . وكانت العرب تتيمن بالسانح : وهو الذي يأتي من ناحية اليمين . وتتشاءم بالبارح : وهو الذي يأتي من ناحية الشمال . وكانوا يتطيرون أيضا بصوت الغراب ، ويتأولونه البين . وكانوا يستدلون بمجاوبات الطيور بعضها بعضا على أمور ، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك . وهكذا الظباء إذا مضت سانحة أو بارحة ، ويقولون إذا برحت : " من لي بالسانح بعد البارح ( 1 ) " . إلا أن أقوى ما عندهم كان يقع في جميع الطير ، فسموا الجميع تطيرا من هذا الوجه . وتطير الأعاجم إذا رأوا صبيا يذهب به إلى العلم بالغداة ، ويتيمنون برؤية صبي يرجع من عند المعلم إلى بيته ، ويتشاءمون برؤية السقاء على ظهره قربة مملوءة مشدودة ، ويتيمنون برؤية فارغ السقاء مفتوحة ( قربته ( 2 ) ) ، ومتشاءمون بالحمال المثقل بالحمل ، والدابة الموقرة ( 3 ) ، ويتيمنون بالحمال الذي وضع جمله ، وبالدابة يحط عنها ثقلها . فجاء الإسلام بالنهي عن التطير والتشاؤم بما يسمع من صوت طائر ما كان ، وعلى أي حال كان ، فقال عليه السلام : ( أقروا الطير على مكناتها ( 4 ) ) . وذلك أن كثيرا من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة أتى الطير في وكرها فنفرها ، فإذا أخذت ذات اليمين مضى لحاجته ، وهذا هو السانح عندهم . وإن أخذت ذات الشمال رجع ، وهذا هو البارح عندهم . فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا بقول : ( أقروا الطير على مكناتها ) هكذا في الحديث . وأهل العربية يقولون : ( وكناتها ) قال امرؤ القيس : * وقد أغتدي والطير في وكناتها * والوكنة : اسم لكل وكر وعش . والوكن : موضع الطائر الذي يبيض فيه ويفرخ ، وهو الخرق في الحيطان والشجر . ويقال : وكن الطائر يكن وكونا إذا حضن بيضه . وكان أيضا من العرب من لا يرى التطير شيئا ، ويمدحون من كذب به . قال المرقش :
--> ( 1 ) هذا مثل يضرب للرجل يسئ الرجل فيقال له : إنه سوف يحسن إليك . وأصل ذلك أن رجلا مرت به ظباء بارحة فقيل له سوف تسنح لك فقال : من لي . . . الخ . ( 2 ) من ع . ( 3 ) الدابة الموقرة : التي أصابتها الوقرة وهي صدع في الساق . ( 4 ) مكناتها بكسر الكاف وقد تفتح : أي بيضها . وهي في الأصل بيض الضباب . وقيل على أمكنتها ومساكنها . قال شمر : والصحيح في قوله على مكناتها أنها جمع المكنة والملكة : التمكن . وقال الزمخشري : ويروى : مكناتها جمع مكن ومكن جمع مكان .